عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

172

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

( فائدة ) قال السبكي رضي اللّه عنه : خلق اللّه تعالى في قلوب البشر علقة قابلة لما يلقيه الشيطان فأزيلت من قلب النبي صلى اللّه عليه وسلم قالت حليمة رضي اللّه عنها فاحتملناه وقدمنا به في السنة الخامسة إلى أمه فقالت ما أقدمك به وقد كنت حريصة على مكثه عندك فقالت أديت خدمته وكتمت قصته فقالت تخوفت عليه من الشيطان قالت نعم قالت كلا واللّه ما للشيطان عليه من سبيل دعيه عنك وانطلقي راشدة فخرجت حليمة ولسان حالها يقول : دعوني على الأحباب أبكي وأندب * ففي القلب من نار الفراق تلهب ولا تعتبوني إن جرت أدمعي دما * فليس لصب فارق الألف معتب لقد جرح التفريق قلبي بنبلة * فمن دمها دمعي على الخد يسكب أأحبابنا ما باختياري فراقكم * ولكن قضاء اللّه ما منه مهرب وما كان ظني أن يفرق بيننا * وسرعة هذا البين ما كنت أحسب أجول بطرفي بعدكم في دياركم * فارجع والنيران في القلب تلهب ثم جاءت حليمة بعد النبوة رضي اللّه عنها فأكرمها ، ثم جاءت في خلافة أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما فأكرماها قاله في الشفاء ، وفي ست سنين من عمره صلى اللّه عليه وسلم ماتت أمه آمنة بين مكة والمدينة ودفنت بمكة ، وفي ثمان سنين مات جده عبد المطلب ، وفي اثنتي عشرة سنة رآه بحيرا الراهب لما خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام ، وفي خمس وعشرين خرج في تجارة لخديجة إلى الشام وتزوج بها رضي اللّه عنها وسيأتي في مناقبها ، وفي الأربعين أرسله اللّه رحمة للعالمين واطلع في أفق السعادة نجمه وشرح بالرسالة صدره ورفع في الشهادتين ذكره ورقاه إلى المحل الأسنى فكان قاب قوسين أو أدنى ، وكان صلى اللّه عليه وسلم عظيم الهامة معتدل القامة طيب الريح والاسم نظيف البدن والجسم أطيب ريحا من العنبر وأذكى رائحة من المسك الأذفر يرى الشياطين والملائكة ويرى في النور كما يرى في الظلمة الحالكة جوامع كلمه مأثورة وبدائع حكمه مشهورة عيون معانيه منسجمة ودرر ألفاظه منتظمة أنزل اللّه القرآن بلسانه تعظيما لأمره وشأنه يصل من قطعه ويعطي من منعه ويبذل لمن حرمه ويعفو عمن ظلمه لا ينتقم مع القدرة ويصبر على ما يكره أوضح اللّه له الطرائق وأظهره على الحقائق وأودعه الأسرار المكنونة وأطلعه على الغرائب المخزونة وأشهده عجائب سلطانه وملكوته وأفرده بالنظر إلى عظمة كبريائه وجبروته وشمله بألطاف خفية وأدناه دنوا تنقطع عنه الكيفية ومهد له بساط التلطف والتأنيس وأعلاه على المقربين من أهل التسبيح والتقديس ، له معجزات أدلتها قاطعة وكرامات لأنواع الغرابة جامعة وكلمات صادعة ناطقة وآيات للعادات خارقة كان الغمام يظله حيث صار وفيء الشمس يدور معه كيفما دار ، وخرج إلى نواحي مكة في بعض الأيام فما استقبله حجر ولا شجر إلا خاطبه بالسلام ، ولما أتى جبريل بالرسالة العظمى إليه صار لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وأمنت الأبواب والجدران على دعائه وكان كل من الشجر والحجر يسجد له إذا مر باذائه وذهب يقضي حاجته في بعض الأحيان فلم ير شيئا يستره عن العيان فلحقت